ترامب وتعقيم السياسة الأمريكية من الأمراض الخبيثة

ثمة مقولة للكاتب الاجتماعي الأمريكي إريك هوفر وهي أن الدعاية السياسية لا تخدع الناس، لكنها تساعدهم على خداع أنفسهم. ولا شك أننا كعرب ندرك في قرارةِ انفُسِنا أن كل ما تقوله وتقوم به أمريكا هو ضد مصالِحنا، وهي تستخدم معنا أسلوب ما يعرف في علم النفس بالتعوُّد.

ولو نظرنا للعلاقة الأمريكية الإيرانية الاستراتيجية، نجد بأنها تخدم إيران من ناحية تحقيق استقرار النظام، وتثبيت أسلوب الحكم، وتمكينه من التوسع الجغرافي. وتخدم أمريكا من ناحية إنشاء قواعد عسكرية دائمة مدفوعة الثمن من قِبَل دول الخليج، كذلك بيع أسلحة ومعدات عسكرية بمليارات الدولارات سنوياً لهذه الدول في حين إنها لا تستخدمها.

سبق وأن أزاحت أميركا حكم طالبان من أفغانستان، واحتلت العراق وسلمته لإيران، ثم سمحت لها بدعم نظام بشار الأسد ضد الثوار، وأخيرًا سمحت للحوثيين المدعومين من إيران بالتمدد في اليمن تحت ذريعة محاربة تنظيم القاعدة.

لم تراع أمريكا مشاعر المسلمين فقط، بل ولا حتى مصالحها الاقتصادية والعسكرية، فاعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقلت سفارتها إليها.

ورغم كل ما فعلته إيران من تصديرٍ للإرهاب، وإنشاء مجموعات مسلحة مثل حزب الله والحوثيين، وكذلك مجموعات كبيرة تحت مسميات مختلفة في العراق، بل وحتى في المغرب العربي وأفريقيا، وبثت الفوضى تحت سمع وبصر أمريكا، ولم تحرك ساكنًا.. أليس هذا مدهش؟

لم يقدم العرب لأمريكا إلا ما يخدم مصالحها ويقوض مصالحهم، بل لم يذكر التاريخ أن أمريكا وقفت مع أي مصلحة عربية سواء ضد إسرائيل أو إيران.

وكل العقوبات الاقتصادية التي أعلنتها واشنطن من عهد ريغان إلى ترامب خُرقت بعلم الإدارات الأمريكية المتعاقبة. وإذا كانت أمريكا جادة هذه المرة بالتشدد مع طهران بفرض العقوبات الاقتصادية الصارمة، فسيؤدي هذا إلى خسائر اقتصادية إيرانية قد تصل إلى 6 مليارات دولارًا شهريًا، بينما يحقق عائدات كبيرة للسعودية تضخ في ميزانيتها.

وهذا الأثر الاقتصادي لا شك لا يضعف الاقتصاد الإيراني فقط، بل يشل حركتها في التحرك في الإقليم، ويحسر دورها وتأثيرها، وربما يساعد على تأكلها من الداخل، وقد يغيِّر نظام الملالي الديني، وتعود إيران لليبرالية، الأمر الذي يساهم في استقرار الإقليم، ولكن هل تقدم أمريكا على ذلك؟ وهل يخدم هذا مصالحها؟

لا يمكن لنا كمراقبين أن نؤمن بأن أمريكا تسعى بشكل جدّي لتقويض أيران اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، مما يساهم ربما في تغيير ليس فقط سلوك النظام الإيراني، بل تغييره. عندها فقط نُقِر بأن السياسة الأمريكية قد تم تعقيمها من كل الأمراض الخبيثة التي ظل يعاني منها الجسد العربي ولم يزل.