دائمًا ما ترفض النفسُ البشرية مواجهة الحقيقة، لا سيما عندما تكون مؤلمة وصادمة، سواءَ كان ذلك مُتعلق بذاتِ الشخص، أو بحالةِ اجتماعية هو جزء منها. ومن أخطر ما يكون، عند إصابة إنسان أو شريحة اجتماعية ما بحالة من الإسقاط هروباً من الواقع، أو خلق صورة مزيفة وتجميلها.. وثمة مقولة لعالم النفس سيغموند فرويد يقول فيها: إن النفس البشرية مليئة بالاضطراب والتخيل.. وأن الكثيرون الذينَ يعيشونَ في الأوهامٍ ينحدر بهم الطريق إلى الجريمة أو الجنون إذا لم تنقذهم العناية الإلهية من أوهامهم.
وليس من العيب، أن يتطور المجتمع من حالة الجهل والتخلف إلى النور والوعي، فهذهِ طبيعة وسمة الإنسان منذ بِدء الخليقة، وسوف تبقى إلى أن تقوم الساعة. وأخطرَ ما يواجه الإنسان أو المجتمع عندما يَتبنَّى الإسقاط النفسي والاجتماعي ظنًا منهُ أنَ هذا سوف يمسح الصورة التي كان عليها.
وفي علم النفس: “إن الإسقاط هي حيلة دفاعية ينسِب فيها الفرد عيوبه ورغباته المحرمة أو العدوانية أو الجنسية للغير، حتى يُبرِّئ نفسه ويبعد الشبهات عنها؛ فيتهم الكاذب معظم الناس بالكذب”.
ولعل هذا ما يحاول أن يُسقطه مسلسلُ العاصوف على المجتمع السعودي ويظهرهُ بمظهرِ المجتمع المتحرر، وإعطاء صورة كأن هذه القيم والعادات هي السائدة. لا شك أن الحلقة الأولى كانت صادمة ليس لجراءة الطرح وقوة الفكرة، بل بالصورة الزائفة، خاصة فيما يتعلق بالمرأة التي ظهرت تركض وراء رغباتها، وهي منحلة بشكل علني فاضح وفي مكانٍ عام.
إن المَشاهد التي يصورها المسلسل “أن من يصر على إنكار الواقع ويستبدله بواقع متخيل أو افتراضي سيجد نفسه كمن يسجل الأهداف في مرماه”. وإذا كان سيناريو المسلسل يُريد أن ينقل صورة للآخر والجيل الجديد أن المجتمع السعودي كانَ مجتمعًا منفتحًا بقيمهِ وعادتهِ المنفتحة، وأن سلوك التطرف الاجتماعي وانغلاق المجتمع على نفسه دخيل على المجتمع من خلال نبتة الصحوة التي حولت المجتمع إلى مجتمعًا متطرفًا اجتماعيًا ودينيًا. هي صورة غير حقيقة في إطارها العام وكأنها تقول بأن المجتمع بلا قيم ثابتة ويمكن أن تهزه وتجرفه أي تيارات فكرية بغض النظر عن محتواها. وهذا تشوّيه للمجتمع وافتراء على تاريخه.
ومشكلة الإسقاط النفسي والاجتماعي هي حالة عربية مُتجذِّرة في العصر الحديث نتيجة فقدان الهوية والهزائم أمام الأخر. “والمفارقة هي أن العربي قبل أكثر من ألف عام كان على وعي فطري بالإسقاط فحاول تجنبه، لهذا كان أحياناً يمتدح قوة الخصم ولا يقلل من شأنه كي يكون لانتصاره معنى، وكي لا يتحول إلى دونكيشوت الذي تكسرت سيوفه على طواحين الهواء”.
ولكننا اليوم لسنا بذلك الوعي الذي كان يملكهُ العربي في سالف الأزمنة، بل نحن نُزيِّف الواقع بصور متخيلة عن ماضينا حتى نبرر ما نريد فعله اليوم، ونتحرر من قيمِنا وعاداتِنا وأعرافِنا، بل قد نتجرأ على الثوابتِ الدينية حتى نجد مبررًا شرعيًا على ما نود أن يكون عليه المجتمع.
قد لا يكون تأثير ذلك لحظي، ولكن من المؤكد أنه سوف يكون هناك تأثير على المدى الطويل، وتعيش هذه الأوهام في مخيلة المجتمع حتى تصبح حقيقة اجتماعية.
أليس نحن من حولنا هزائِمنا أمام إسرائيل إلى انتصارات. واستخراجنا مفردات مثل النكسة والنكبة وغيرها من المفردات. وأسقطنا من قاموس مفرداتنا الهزيمة. ورفضنا مواجهة الواقع في ذلك الزمن حتى وجدنا انفسنا اليوم نبرر الاحتلال، بل نستحضر التاريخ ونقول بأن القدس هي عاصمة إسرائيل منذُ أزمنةٍ سحيقة.
إن المجتمع المثالي والطيب “الطوباوي” غير موجود ولن يكون موجودًا على ظهر هذا الكوكب. ومثلما يملك الإنسان تقلباتٍ في نفسه، كذلك المجتمع. وليس عيبًا أو عارًا أن نرى مجتمعًا ما كانت تتقاذفه التياراتُ الفكريةُ المنحرفةُ والعاداتُ والسلوكياتُ غير الحميدة، قد تغيَّر نحو أُفقٍ اجتماعية متوازنة ومنسجمة مع المجتمعات الأخرى دون أن يُغيِّر من ثوابته أو قيمه.
إن الصورة التي يبثها الإعلام المرئي وتعيد إنتاجها شبكات التواصل الاجتماعي بصورة مختصرة هي أكثرُ وأعمق تأثيرًا من المجلدات والكتب، لأنها تُشكّل شخصيةَ المجتمع. والقضية ليست تحرير المجتمع من قيمهِ وعاداتهِ وثوابتهِ، بقدر ماهي مَسخه وتحويله إلى مجتمع يبحث عن ملذاتِ الحياةِ حتى يُصبح بلا قيم أو ثوابت.
وهناك فرق أن تصور حالة ما في سرد قصصي مصور، مهما كان متجاوزًا، وإسقاط المشهد على المجتمع كحالة عاشها من الانحلال الأخلاقي وبشكل علني وكأنها عرف وسلوك اجتماعي.
إن المجتمع السعودي مثل أي مجتمع عربي أخر في جوهرِه، من حيث القيم الأخلاقية والعادات والسلوكيات والثوابت الدينية، وقبل 40 عامًا كان هناك انفتاحًا اجتماعيًا، ربما كان أكثر مرونة من المجتمع بعد أحداث الحرم ولكنه ليس كما يصوره مسلسل العاصوف متحررًا من القيم … قد تكون لتيارات الصحوة سيطرت على الإعلام والمنابر وكان لها تأثيرٌ على المجتمع وشكلت جزءًا من ثقافته ووعيه ولكنها لم تجرِدُه من القيم والسلوكيات التي توارثناها جيلاً بعد جيل.
إن الثَّباتَ على القِيَم حَصانةٌ للمجتمع من الذَوبَان، بل لا يمكن أن ينهض مجتمع بدون أن يكون أساسه مبني على القيم والثوابت. ولن تُغير حلقة أو بعض حلقات من قيم المجتمع ما لم يكن هُناك استعدادٌ نفسي لهذا التغيير.. وإذا كان التغيير في قيم وسلوك مجتمع ما يحتاج أجيال، لن يحتاج اليوم أكثر من سنوات قليلة مع تأثير الصورة المرئية.