لا يمكن أن يقوم أصلًاح مجتمع ما لم تتحقق العدالة بين أفراده، ولعل إشكالية المجتمعات العربية هي غياب العدالة، وعندما تغيب لا يعيش إلا الفساد. من يحكم ويحاكم الفساد
واليوم وبرغم انكشاف الوضع العربي برُمَّته أمام الرأي العام إلا أن الفساد ليس فقط في النظام السياسي، وإنما الفساد الإداري والإقتصادي والقضائي لم يزل هو العرف السائد.
محاسبة الفاسد
لا يمكن أن تقوم عملية الإصلاح بمجرد صدور القرارات أو عقد المؤتمرات والحديث عن الإصلاح في وسائل الإعلام مالم يحاسب «الفاسد»، سواء كان موظفًا صغيرًا أو وزيرًا.
والمشكل الذي يشكل نقطة الحل لمعضلة الإصلاح في العالم العربي هي الاكتفاء بإحالة ذلك المسؤول للتقاعد بعد أن يكون قد استفحل في ظلم العباد واختلاس أموال الدولة.
هذا الأمر أو هذا العقاب يشجع الآخرين في التمادي في السير على نفس الخطى لأن النتيجة في نهاية الأمر في حال افتضاح أمره هو التقاعد كأقصى عقاب.
إننا لا يمكن أن نتقدم خطوة واحدة مالم نقدم كل فاسد أو مسؤول سواء كان يمارس عمله أو أحيل إلى التقاعد أو الإعفاء إلى المحاكمة حتى لو لم يكتشف فساده إلا بعد خمسين عامًا.
في الغرب استغلال السلطة جريمة
في المجتمعات الغربية يشكل الفساد واستغلال النفوذ بين موظفي السلطة جريمة كبرى تتجاوز جريمة القتل.
و أذكر عندما كنت أعيش في بريطانيا أثارت الصحافة قضية استغلال النفوذ لمسؤول Home Secretary ديفيد بلانكيت (الذي أُقيل بعد ذلك من منصبه).
كل ما فعله الرجل هو أنه طلب من إدارة الهجرة الاستعجال في استخراج إقامة الخادمة الفلبينية لصديقته. ولكن الصحافة اتهمته باستغلال منصبه لتحقيق أهداف خاصة. وبرغم محاولته التبرير وقوله الذي احتل الصفحات البريطانية I have done nothing wrong.
و لكن الرأي العام لم يغفر له؛ برغم أنه نزيه، حيث كتب معظم المعلقين في الصحف أنه إذا أفلت الوزير ستكون سابقة في أن يستغل كل موظف نفوذ وظيفته.
استغلال النفوذ
في الاتجاه المعاكس وفي إحدى البلدان العربية، رئيس أحد الأجهزة الامنية المكلفة بمكافحة الفساد والتزوير والرشوة استغل منصبه لابتزاز الناس. والاستبداد على المواطنين ظلمًا وعدوانًا. حتى أصبح لديه قصرٌ يساوي عشرة ملايين دولار وعندما افتضح أمره أحيل إلى التقاعد كأقصى عقاب.
والآخر كان مديراً للشؤون المالية لإحدى مؤسسات الدولة الكبيرة، فاختلس نحو مائة مليون دولار واكتُفِي بسجنه ثمانية أشهر ليصبح بعد ذلك من رجال الأعمال المعروفين بل وكيلاً لسيارات فارهة في تلك الدولة.
تلك هي المشكلة؛ أن يعاقب المجرم والمستبد بتلك العقوبة التي تجعل الآخرين يسلكون نفس الطريق حتى أصبح الفساد قيمة عليا وثقافة في معظم البلاد العربية.
أعتقد أن الوقت قد حان لِأَن نفتح ملفات الفساد حتى تستقيم بنية مجتمعنا وحتى لا يكون الفساد حاكمًا علينا.
تقاطع
الصحافة الحرة هي المرآة التي تعكس واقع المجتمعات، ولا يمكن أن يكون المجتمع حراً بدون صحافة حرة.
مقال من يحكم ويحاكم الفساد