الرئيس و الحذاء

لا يوجد أي شخص إلا و يحب أن تكون صورته ماثلة في أذهان الناس شامخًا و مختزلًا العالم بذاته النرجسية.

ومنذ سقوط صدام وسحل تماثيله وتمزيق صوره أصاب الرؤساء الدكتاتوريون بالهلع، لا سيَّما وهم يشاهدون ذلك المواطن العراقي وهو ينهال ضربا على صورة رئيسه بالحذاء.

ويُقال أن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تأثر كثيرًا بذلك المشهد و أمر أن تنزع جميع صوره المُعلَّقة في الساحات والأماكن العامة، لأنه لا يريد أن يرى ذلك اليوم الذي تؤول إليه صوره إلى المصير نفسه لتضرب بالنعال أو تداس بالأقدام، ويعرف الزعماء أن الإنسان العربي مسكون بالخوف والرعب فهو يعلق الصور و يضع تماثيل الرؤساء ليس حبا بهم و إنما درءا للشر، وهنا تكمن المشكلة.

وعلى أكثر من خمسين عامًا تكرست “ثقافة صورة الزعيم” في المُخيِّلة العربية حتى أصبحت تسكن العقل الباطني، فلم تقتصر “صور الرئيس” على الأماكن العامة والميادين وإنما أيضًا أصبحت تعلق على “جدران” المنازل لربما لها آذان!

وتكريسًا لهذا المفهوم قام أحد مواطني جمهورية “التركمان” بصناعة حذاء عملاق على شرف الرئيس، وقال مواطن يدعى أركين بنسيو لقد قمتُ بتصنيع هذا الحذاء مستوحيا ذلك من الحماس الذي ولدته في نفسي، وذكر أن مقاسات الحذاء تبلغ أكثر من ستة أمتار وعرضه أكثر من متر ونصف وارتفاعه أكثر من متر وسبعين سنتيمترًا.

ولكن لم نعُد ندري اليوم ما إذا كنا قد دخلنا مرحلة جديدة وهي أن يُضرَب الرؤساء بالأحذية تعبيرًا عن مشاعر “الحب و الولاء” بعد أن داس أولائك الحكام الدكتاتوريون بأحذيتهم على رؤوس الشعوب ولم يسمحوا لها حتى أن تتنفس أو تحلم و لو بحذاء؛ حتى وإن كان حذاءًا للعيد!

و فكرة الانتقام بالحذاء ليست جديدة فقد سبق أن انتقمت شجرة الدر من زوجها بضربه بالأحذية الخشبية التي تسمى “القبقاب”، وبعد حادثة المواطن العراقي الشهيرة بدأت الشعوب المقهورة تتداول سرًا مجموعة من النكات بهذا الشأن ومنها أنه صدر قرار في بعض الدول العربية بمنع استيراد أو تصنيع الأحذية واعتبار ذلك من أسلحة الدمار الشامل، و كل من وجد عنده حذاءًا في بيته فهو مارقٌ على القانون، و تردد أيضًا أن أحد الزعماء كان يتمشى ليلا فضبط مواطنا و هو ينهال على صورته (أي صورة الزعيم) ضربًا بالحذاء فأوعز الزعيم لرجال الأمن أن يمسكوا بالمواطن الذي سارع للدفاع عن نفسه بالقول “سيدي أنت فهمتني خطأ فقد كانت صورتك آيلة للسقوط فكنت أقوم بتثبيتها”.