الطوطم أصنام الوهم

ثمة مقولة لميشيل فوكو تقول: إن أكثر الشعوب تحريمًا لشيء هي أكثر الشعوب هوسًا به. يمثل “الطوطم” دور الرمز للمجتمع، وأحيانا يُقّدس باعتباره المؤسس أو الحامي.

ربما ينطبق هذا إلى حدٍ ما على المجتمع السعودي، الذي ظل لسنوات طويلة أسير أفكار ترى التحريم هو الأصل في معظم مناحي الحياة، حتى تشكل لديه نوع من الأفكار السلبية تجاه المجتمعات الأخرى، بمكوناتها الثقافية والاجتماعية.

وفي عالم موازي كان يعيش البعض حياة سرية صاخبة.

قد لا يكون المجتمع السعودي بهذه الأفكار الضبابية لو لم يتشرب ثقافة تريد احتكار الحقيقة المطلقة حتى رويت جذورها.

نحن لا نحكم على الاشياء بمنطق العقل بل من خلال العاطفة، وأذكر منذ سنوات طويلة كنت مع شخص نشاهد مباراة دولية سجل أحد الفرق هدف، في هذه الاثناء ظهرت على الشاشة امرأة مسنة وهي تقفز تعبيرا عن الفرح، فنعتها بشكل مباشر بأنها فاسقة كافرة ومصيرها إلى النار. هذا الحكم جاء نتيجة الثقافة والخطاب السائد هما اللذان شكلاه.

هيئة الأمر بالمعروف

كان ينظر إلى ممارسات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رغم بعض أخطائها وتجاوزتها، على أنها عمل فضيل مقبول من شريحة كبيرة من المجتمع وأنها هي التي تضبط إيقاع المجتمع الأخلاقي والسلوكي. ربما يكون هذا صحيح في بعض الجزئيات، إذا ما نظرنا من زوايا وأبعاد أخرى للمنظومة الأخلاقية والسلوكية. ولا شك أنه كان لها دور كبير في مكافحة السلوكيات المنحرفة.

في ذلك الوقت كانت أي علاقة بين فتاة وشاب حتى وإن كان عنوانها الحب العفيف مجرمة، ونتيجة لذلك ذهب كثير من الفتيات والشباب أسرى السجون لمجرد الاختلاء في مقهى أو مطعم.

المرأة أصل الفساد

وفي تلك الدور الزمانية تشكلت صورة المرأة في الذهنية الاجتماعية بوجوب تقييد حريتها، ليست الجسدية فقط بل حتى أفكارها ومشاعرها، وأن المرأة يعتريها النقص وشهوانية، وأنها أصل الفساد والانحراف، وأن الشيطان وأدواته الغربية والمنحرفين لن يستطيعوا إفساد المجتمع إلا من خلال الدخول عبر بوابة المرأة.

وتم تغيب عقل المجتمع وحُرِم من التفكير، بل ما هو أكثر تعقيدًا؛ التعامل مع الآخر بناءًا على خلفيته العقدية والفكرية والعرقية، وليس بناءًا على قيمته كإنسان.

في تلك الحقبة نجد أن كثيرًا من الشباب السعودي كان لا يرى المرأة بشكل طبيعي، أي الوجه والجسد، خارج حدود أسرته، وهذا جعله لا يميز بين المرأة الجميلة والقبيحة، وبات مجرد ذكر اسم امرأة أمامه يلهب مشاعره. كانت المملكة العربية السعودية تعد السوق الرائجة للمجلات التي تنشر صور النساء والمواد المثيرة التي تركز على الحواس لا العقل.

الإشكالية الكبرى كانت في السعودية هي المرأة وتم ربط العقلية الاجتماعية والثقافية بل وحتى الدينية بالمرأة، حتى أصبح ذكر اسم المرأة مخجل، و أي شيء يدعو لحقوق المرأة يعني الانحلال والفساد. وتم ربط معظم القيم الأخلاقية بالمرأة كجسد وصوت ومشاعر.

الخطاب “الصحوي”

في ذلك الوقت كان الخطاب “الصحوي” السائد، يكثف من جرعة الدين, هذه الجرعات الخالية من الافكار الانسانية. لم تُبنى على أهم مكون لأي مجتمع، على سبيل المثال القيم الاخلاقية منها الصدق والامانة والثبات على الموقف بل لا يمكن لأي إيديولوجيا أن تكون صلبة ما لم ترتكز على القيم الأخلاقية والمبادئ.

لذلك استطاعت المنظمات الإرهابية تجنيد السعوديين من ضعيفي الإرادة بهدف تحقيق أهداف سياسية دون اخضاعها لمعايير القيم الاخلاقة لا شك أن هذا ليس لها علاقة بجوهر الإسلام السمح.

وبما أن القيم الأخلاقية والمبادئ ويقظة الضمير تفرض عليك طرح الأسئلة لماذا ولما الخ.

حتى انتشر فيروس التكفير وآفة التحريم في المجتمع بهذه السرعة الوبائية وانتشرت أشرطة سمعية ومرئية وكتب تمجد الموت على الحياة بل تصف نهاية الإنسان بالنار والعذاب وقبل ذلك حياة القبور في مشاهد مؤلمة وكأن من صورها قد عاش وشاهد تلك الحياة وكأنك أمام فيلم سينمائي مرعب.

وقد اتسع نطاق التحريم إلى الاحتفال بمناسبات وطنية واجتماعية وشخصية عديدة.

وفي معرض حديثه قال الأمير محمد بن سلمان أن الشعب في السعودية لم يعتد على الاحتفال باليوم الوطني لأن كثيرًا من المتطرفين قد أخبروهم بأن الاحتفال باليوم الوطني محرم.

الطوطم

إلا انه مع مرور الزمن تكوَّن “طوطم” من مجموعة أفكار تم إلباسها ثوب الدين وباتت مقدسة لا يمكن الاقتراب منها أو نقدها.

كانت المرأة هي المحور والنقطة التي يدور حولها كل شيء، ليس في الحياة العامة بل حتى الكتابة والأدب والإبداع، يجب الإشارة إليها برموز. كل تلك «الوصاية» ليست قوانين مكتوبة ولكنها ممارسة مبرمجة في العقل! .

فيما مضى لم يكن لأكثر الباحثين الاجتماعيين استبصارًا ودراية بالتحولات الاجتماعية أن يتوقع أنه من الممكن أن يتغير المجتمع السعودي بهذه السرعة ويكون الانفتاح بهذا الشكل.

تلك مرحلة حملت خطابها الخاص الذي يحمل الإيجابيات والسلبيات وأصبحت من التاريخ. المراجعات النقدية مطلوبة، ليس من أجل الإنقاص منها بل من أجل استخلاص العبر.

سلطة الخطاب

تبقى سلطة الخطاب مهما كانت تفرض نفسها في سياقها الزمني والمكاني في سياق تاريخي يوكد أن لكل مرحلة تاريخية شروطاً خاصة للحقيقة تحدد ما هو مقبول وما هو غير مقبول، كما يقول المفكر ميشيل فوكو.

اليوم نحن لسنا أمام مرحلة جديدة بل نحن أمام شيئا جديدا كليا بخطابه وكما يقول ميشيل فوكو أن كل خطاب يحمل إفاداته معه وهذه الإفادات من خلال الخطاب هي التي تشكل الدولة والمجتمع.

لقد حطم محمد بن سلمان “الطوطم” وكل الأصنام المرتبطة به وفيه وتحولت إلى رماد وكأنها لم تكن.

علينا كمجتمع ودولة جديدة أن نفهم هذا الخطاب الذي يحمل في مضامينه حرية الفرد في سلوكياته وأفكاره وممارسة العمل الذي يحب، ليس من حق أحد فرض وصاياه الأخلاقية والسلوكية والفكرية، إلا ضمن قانون الخطاب.

ويدرك الجميع بأن من يغرد خارج هذا الخطاب سيتم عزله تماما.

وقد أضاء هذا الخطاب محمد بن سلمان بهذه الكلمات: ما يجب أن نركّز عليه هو الغاية وليس الوسيلة. وهذه الغاية هي حكم القانون، وحرية التعبير، وحرية العمل، والأمن.

في هذا المعنى وضمن مساره نحتاج أن نعي تماما الخطاب وكينوينته واستخراج المعنى الأخير الذي يختبىء خلفها كما يقول فوكو. ونحطم اصنام الطوطم.

“السلطة شبكة منتجة تمر عبر الجسم الاجتماعي كلِّهِ أكثر مما هي هيئة منفصلة وظيفتها ممارسة القمع”. ميشيل فوكو والسلطة ليس فقط سلطة الحكم بل ايضا سلطة المجتمع والدين والعرف.

الطوطم